يرى إبراهيم أبِيبي أن جنوب السودان قرر المضي قدمًا في مشروع سد فولّا الكبير، ليس لأنه حصل على موافقة مصر، وإنما لأن تنمية موارده المائية حق أصيل لدولة ذات سيادة في حوض النيل.

 

وأعلن وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان أن جوبا ستمضي في تنفيذ سد فولّا إلى جانب مشروعات أخرى للسدود، بهدف دعم التنمية الاقتصادية وتلبية الطلب المتزايد على توليد الكهرباء.


وبحسب هورن ريفيو، أعلن وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم، بعد أربعة أيام من إعلان جوبا، أن القاهرة وافقت على مشروع فولّا عقب دراسة جوانبه الفنية. لكن هذا التصريح يطرح سؤالًا جوهريًا حول سبب تقديم الموافقة المصرية باعتبارها شرطًا لتنمية جنوب السودان. فقد أوضحت جوبا موقفها بأن سيادتها على مواردها تتيح لها إنشاء السدود دون الخشية من اعتراض دول المصب.

 


سد فولّا يعيد طرح مسألة النفوذ المصري في حوض النيل


يحمل توقيت التصريح المصري وطريقة صياغته دلالة سياسية لافتة. فعندما تقدم القاهرة دعمها لسد فولّا باعتباره نتيجة لدراسة فنية أجرتها، فإنها تخاطر بإظهار تنمية جنوب السودان وكأنها اكتسبت شرعيتها فقط بعد تقييم مصر للمشروع. لكن القضية الأساسية لا تتعلق بدعم القاهرة لسد فولّا، وإنما بسبب منح هذا الدعم معنى الترخيص أو الإذن.


ويمكن قراءة الإعلان المصري باعتباره محاولة لوضع القاهرة في موقع الجهة التي تمنح الموافقة على مشروع كانت جوبا قد بررت تنفيذه أصلًا استنادًا إلى سيادتها واحتياجاتها التنموية. وتزداد أهمية هذا الطرح عند النظر إلى سد فولّا في سياق سد النهضة الإثيوبي.


فمن خلال تقديم فولّا باعتباره مشروعًا حصل على موافقة مصرية بعد مراجعة فنية، تستطيع القاهرة أن تظهر نفسها داعمة لتنمية دول المنبع، مع مواصلة اعتراضها على المشروع الإثيوبي. وقد يعزز ذلك رسالة مفادها أن معارضة مصر لسد النهضة تستند إلى اعتبارات إجرائية وفنية، وليس إلى رغبة في الحفاظ على نفوذها التاريخي على نهر النيل.


لكن ذلك يعيد طرح السؤال الأهم: من منح مصر أي تفويض لتحديد مشروعات دول حوض النيل المقبولة وغير المقبولة؟


وتشارك مصر في مبادرة حوض النيل إلى جانب الدول التسع الأخرى، لكنها ليست طرفًا في الاتفاقية الإطارية للتعاون في حوض النيل. وانضمت جنوب السودان إلى الاتفاقية الإطارية في أغسطس 2024.


وتوفر مبادرة حوض النيل إطارًا للتشاور والتنسيق والتعاون بين دول الحوض، وتملكها الدول العشر الأعضاء بصورة مشتركة. ولا تمنح المبادرة مصر موقعًا مؤسسيًا أعلى من بقية الدول، كما لا تمنحها سلطة منفردة للموافقة على مشروعات تنفذها دول أخرى في حوض النيل أو رفضها.


وبالتالي، لا ينبغي الخلط بين موافقة مصر على سد فولّا وبين تفويض سيادي كانت جنوب السودان ملزمة بالحصول عليه. وتقوم المبادئ ذات الصلة على التعاون والاستخدام المنصف للموارد المائية ومنع إحداث ضرر جسيم، وليس على الحصول على إذن مصري.

 


سد النهضة يكسر معادلة الهيمنة القديمة على النيل


تؤدي هذه المسألة المؤسسية مباشرة إلى الأهمية الأوسع لسد النهضة الإثيوبي. فقد تحدى السد الرواية القديمة بشأن نهر النيل، التي تعاملت مع المطالبات التاريخية المصرية باعتبارها الأساس الذي يحدد كيفية استخدام الدول الأخرى للنهر.


ويرى الكاتب أن اعتماد مصر المستمر على اتفاقيات تعود إلى الحقبة الاستعمارية أسهم في تكريس ترتيبات استبعدت دول المنبع الرئيسية من الحصول على دور أكثر إنصافًا في تنمية موارد النيل. وغيّر سد النهضة هذه المعادلة، بعدما أظهر أن إثيوبيا ماضية في تحقيق مصالحها التنموية بدلًا من قبول حق نقض مصري دائم لمشروعاتها.


ومن شأن قبول مصر بإطار تعاوني على مستوى حوض النيل، بدلًا من مواصلة الاستناد إلى اتفاقيات المياه الموروثة من الحقبة الاستعمارية لتحديد حقوق دول الحوض الأخرى، أن يعكس اعترافًا بهذا الواقع الجديد.


ويحتل النهج الأحادي الجانب موقعًا محوريًا في الخلاف حول مياه النيل. فتركز السياسة المائية المصرية بصورة أساسية على حماية مصالح دولة المصب، بينما تستخدم القاهرة مطالبها التاريخية ومخاوفها المتعلقة بالأمن المائي في مواجهة مشروعات دول المنبع، ولا سيما إثيوبيا.


ولا تكمن المشكلة في ضرورة تجاهل مصالح دول المصب، وإنما في تقديم مصر مصالحها وكأنها ينبغي أن تحدد الخيارات التنموية لجميع دول الحوض. ويصعب التوفيق بين هذا النهج وبين إطار شامل لحوض النيل يعترف بوجود مصالح وحقوق ومسؤوليات تنموية مشروعة لجميع دوله.


وتكشف إثيوبيا هذا التناقض بوضوح. فوفقًا لمبادرة حوض النيل، تسهم إثيوبيا بنحو 86% من مياه النيل، ومع ذلك واجهت طموحاتها التنموية معارضة مستمرة من مصر. ولا ينبغي لدولة تسهم بهذه النسبة الكبيرة من مياه النهر أن تتخلى عن مصالحها التنموية لصالح دولة تقع في أسفل مجرى النهر، طالما تلتزم بمبادئ الاستخدام المنصف وعدم إحداث ضرر جسيم.

 


صعود إثيوبيا يغيّر ميزان القوى الإقليمي


تحمل مقاومة مصر لطموحات إثيوبيا التنموية أبعادًا جيوسياسية أوسع من قضية المياه. فقد أدى نمو الاقتصاد الإثيوبي واتساع نفوذها السياسي وصعودها باعتبارها إحدى الدول الأفريقية الرئيسية إلى تحدي المكانة الإقليمية التي احتفظت بها القاهرة لفترة طويلة.


ويمكن لسد النهضة أن يعزز الاقتصاد الإثيوبي، ويوسع قدرات توليد الكهرباء، ويدعم خطط التنمية في البلاد. ولا تقتصر تداعيات هذه التحولات على السد نفسه، لأنها تعيد تشكيل الوزن الاقتصادي والاستراتيجي لإثيوبيا في المنطقة.


ولهذا، ينبغي فهم المعارضة المصرية ليس فقط من خلال مخاوفها المعلنة بشأن الأمن المائي، وإنما أيضًا في ضوء التداعيات الجيوسياسية لصعود إثيوبيا. فالحفاظ على الرواية القديمة بشأن النيل يخدم نظامًا إقليميًا تمتعت فيه مصر بنفوذ يفوق الوزن النسبي لدول أخرى في حوض النهر.


وقد تحدى سد النهضة بالفعل هذه الرواية. ويتيح تشغيله أساسًا لإعادة النظر في السيناريوهات الكارثية التي حذرت منها مصر، بما في ذلك أزمة المياه التي توقعت القاهرة وقوعها. ولا يمكن أن تتحول هذه المخاوف إلى مبرر دائم لحرمان إثيوبيا من حقها في التنمية.


وينبغي معالجة الأمن المائي عبر التعاون والتنسيق الفني والاستخدام المنصف للموارد، وليس عبر نهج يتعامل مع تنمية دول المنبع باعتبارها تهديدًا متأصلًا للنظام القائم لصالح دول المصب.


ويكشف سد فولّا بالتالي عن تقادم فكرة حق النقض المصري المزعوم، بينما يوضح سد النهضة سبب عدم قدرة هذا الحق على تحديد الخيارات التنموية لإثيوبيا. فلا تحتاج جنوب السودان إلى إذن مصري لمواصلة مشروعات التنمية، كما لا ينبغي أن تضطر إثيوبيا إلى طلب موافقة القاهرة قبل بناء سدود إضافية.


وتظل مسؤولية إثيوبيا قائمة في احترام مبادئ إطار حوض النيل، بما في ذلك الاستخدام المنصف والتنمية المشتركة وعدم إحداث ضرر جسيم، مع احتفاظها في الوقت ذاته بحقها في السعي إلى تحقيق التنمية.


ويشير سد فولّا وسد النهضة، مجتمعين، إلى التحول نفسه: يبتعد نهر النيل تدريجيًا عن نظام تحدد فيه تفضيلات مصر حدود التنمية في دول المنبع.


ويتوقف مستقبل النيل على قدرة دوله المتشاطئة على الانتقال من التنافس حول السيطرة والنفوذ إلى إطار حقيقي يشمل الحوض بأكمله. وقد أوضح سد فولّا أن التنمية في دول المنبع لا يمكن أن تعتمد على موافقة دولة واحدة تقع في أسفل المجرى، وينبغي تطبيق المبدأ نفسه بصورة متسقة في جميع أنحاء الحوض، بما يشمل الطموحات التنموية لإثيوبيا.


وينبغي أن تفسح الحقبة التي كانت الاتفاقيات الاستعمارية والسيطرة الأحادية خلالها قادرة على تحديد مستقبل النيل المجال أمام إطار يقوم على الاستخدام المنصف للمياه والتعاون والتنمية المشتركة.

 

https://hornreview.org/2026/09/24/grand-fulla-and-the-end-of-egypts-nile-veto/